وفي أنفسكم أفلا تبصرون

وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (الذاريات ٢١)
تلك الآية العظيمة توجه نظرنا إلى أن نبصر إلى كم الإبداع في خلق الإنسان. الآية تدعونا إلى أن نبصر، و الإبصار هنا ليس فقط بالنظر إلى الشيء و لكن يمتد إلى البصيرة أي الفهم.
إنطلاقاً من هذه الآية، ندخل إلى علم الخلية لمحاولة فهم إبداع الخالق في هذه الخلية التي لا تُرى بالعين المجردة و كيفية توازنها و الخلل الجسيم الذي قد يحدث من فقد ذلك التوازن.
الخلية الطبيعية هي مصنع كبير للعديد من المنتجات، منها بروتينات و إنزيمات و غيرها الكثير. هناك توازن دقيق داخل هذه الخلية و من أهم مناطق هذا التوازن هو التوازن في نظام التكاثر للخلية. هناك جينات تحفز التكاثر و أخرى تثبط هذا التكاثر. دون شك هناك إحتياج في بعض الأوقات لتحفيز تكاثر الخلايا و لكن هذا التكاثر يجب ان يكون تحت السيطرة و ضمن وظائف الخلية. 
عندما يحدث خلل بين هذه الجينات بمعنى أن الجينات التي تحفز التكاثر يكون لها اليد العليا أو أن الجينات التي تثبط التكاثر تفقد السيطرة على تكاثر الخلية، هنا تتحول الخلية إلى خلية تتكاثر خارج نظامها الأساسي. هذا التكاثر يصبح دون هدف و تفقد الخلية قدرتها على تأدية وظيفتها، قد يصاحب هذا أيضاً بعض الخلل الجيني و الذي قد يكسب الخلية القدرة على إختراق الأنسجة و الأوعية المحيطة فتصبح قادرة على الإنتشار و إحتلال أعضاء أخرى، هنا الخلية قد تحولت إلى خلية سرطانية.

إذا استطاعت الخلية السرطانية خداع الجهاز المناعي هنا تتحول إلى مرض.

إذاً الخلية السرطانية هي خلية تتكاثر دون هدف فتنشيء كتلة من الخلايا (ورم) ليس لها وظيفة سوى أن تتكاثر، هي أيضاً لديها القدرة على إختراق الأنسجة و الأوعية الدموية و اللمفاوية فتصبح قادرة على الإنتشار و إحتلال أعضاء أخرى و من ثم قد تفقد هذه الأعضاء القدرة على تأدية وظائفها.
كل عضو من أعضاء الجسد و كل خلية من خلايا الجسد قد تتحول يوماً ما إلى خلية سرطانية و من المعروف أن الجهاز المناعي قادر على القضاء على هذه الخلايا. إذا استطاعت الخلية السرطانية خداع الجهاز المناعي هنا تتحول إلى مرض.
هناك العديد من العوامل التي تؤدي إلى حدوث السرطان و لكننا لا نستطيع أن نجزم أن هناك سبب مباشر لهذا المرض. من هذه العوامل و أهمها هو التدخين بكل أنواعه، التدخين وحده عامل مؤثر في حدوث العديد من الأورام الخبيثة ليس فقط أورام الرئة. شرب الكحوليات و الإفراط في ذلك، التعرض لمواد كيميائية أو للإشعاع، التلوث البيئي، عادات التغذية السيئة، السمنة، و غيرها الكثير من العوامل التي لها دور في حدوث الأورام الخبيثة. أيضاً هناك بعض الفيروسات و الميكروبات التي قد تؤدي إلى حدوث السرطانات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر و منها على سبيل المثال لا الحصر، فيروسات الإلتهاب الكبدي خاصةً فيروس سي وفيروس نقص المناعة و فيروس الورم الحليمي البشري. 
بعض حالات الأورام السرطانية قد تكون مرتبطة بإستعداد جيني وراثي و هو ينتقل في بعض الأسر كمورث جيني،، بعض أورام الثدي قد يكون مرتبطاً بجينات وراثية و قد يؤدي أيضاً إلى أورام أخرى. نسبة هذه الأورام المرتبطة بجينات وراثية تمثل نسبة ضئيلة من الأورام لا تتعدى ٥٪؜. 
للوقاية من حدوث السرطان تنصح منظمة الصحة العالمية و العديد من المنظمات الدولية بإتباع نضام حياة صحي و هو يشمل البعد عن التدخين تماماً، إتباع حمية صحية في الغذاء و التي تشمل الإكثار من الخضروات و الفواكه، ممارسة الرياضة بشكل منتظم، الحفاظ على الوزن، و غيرها من التعليمات التي ثبت علمياً أنها تقلل احتمالات حدوث السرطانات بنسبة ٣٠-٤٠٪؜. 
الأمر المهم الآخر هو الفحص الدوري لنوعيات الأورام الأكثر انتشاراً و التي لها نظم كشف مبكر معتمدة. و ذلك لكشف تلك الأورام بشكل مبكر و بذلك يمكن شفاءها و النجاة منها. هناك نظم كشف مبكر للعديد من الأورام الخبيثة مثل أورام الثدي و القولون و البروستاتا و غيرها.
علاج الأورام في تطور مستمر و بشكل مذهل خلال العقود الثلاثة الماضية. و لك أن تعرف أن نسبة الشفاء التام و النجاة من السرطان ارتفعت إلى أكثر من ٦٨٪؜ من كل الحالات التي يتم تشخيصها و قد كانت سابقاً أقل من ٤٠٪؜. يرجع الفضل في ذلك إلى تطور نظم التشخيص و الكشف المبكر و تطور نظم العلاج و دخول طرق علاج حديثة و التي تشمل العلاج المناعي و العلاج الموجه هذا بالإضافة إلى تطور نظم العلاج القديمة مثل العلاج بالجراحة و العلاج الإشعاعي و العلاج الكيميائي و أيضاً تطور العلاج الداعم و الذي يساعد المرضى على تحمل نوعيات العلاج المختلفة. أيضاً تطور نظم الدعم المختلفة مثل نظم التغذية و نظم الدعم النفسي و المعنوي و غيرها من النظم المختلفة. التطور الأهم هو في فهم بيولوجيا الأورام المختلفة و التي عن طريقها قد نستحدث أنواع علاج جديدة و حديثة تستهدف الخلل في الخلية السرطانية و منها العلاج الجيني على سبيل المثال.
البحث العلمي في المجالات المختلفة من مجالات علم الأورام له الدور الرئيسي في كل هذا التطور بدءاً من فهم بيولوجية الأورام وصولاً لإنتاج نوعيات علاج جديدة و حديثة و تنتهي إلى أن كل مريض يتلقى العلاج الذي يناسبه هو بشكل موجه لمرضه حتى ترتفع نسب النجاة من السرطان.
رسالة أخيرة أوجهها لمرضى السرطان و هي أن المرض في مراحله المبكرة قابل للشفاء، أما إن كان في مرحلة متأخرة فهو قابل للعلاج و السيطرة عليه و التعايش معه لفترات طويلة و تحويله إلى مرض مزمن. كن إيجابياً تسلح بإيمانك و كن واثقاً في الشفاء.
 

 

د. محمود عبدالسلام

طبيب علاج أورام أستاذ بجامعة دالهوسي بكندا رئيس قسم الأورام بمستشفى مونكتون

All Posts

Related Posts

  • All Post
  • أخبار
  • ثقافة
  • سياحة
  • صحة
  • كندا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2023 © Atlantic Arabic TV