رسائل في عِلم الإِنسان: ١- البحث عن الخلود (جلجامش الأم)

تنويه: (ليس الهدف من الرسالة الأولى هذه إعطاء درس في الأنثروبولوجيا، ولكنها تأتي بمثابة مقدمّة رمزيّة توصِّف فصيلاً من الثدييات الرئيسية الذي يمتلك بنيَة اجتماعية ساهمت في بقائِه واستمرارية جنسه كميزة تطوريّة Evolutionary Advantage)

يبتعد قَطيع الفِيّلة مُتَحَلِقاً باحتِرامٍ صَامِت، فاسِحاً الطَريق لسَيّدتهم الأُم الحاكِمة “جَايا”، التي تبدو “كشامان” قبيلةٍ من العُصُور الطَوطَمِيّة حاملةً على كاهلها هموم كبيرهم وصغيرهم. وتَتَهادى ربّةُ العَشِيرة باتزانٍ وعزيمةٍ ملتفّةً حولَ “دَغْفَل” -صغير الفيل- يَغرق في طينِ بحيرةٍ جافة، وبحنكةِ دهورٍ مديدة تقوم أولاً بإزاحة الوحلَ المُتَجمِع أمَام خُرطومِه وَفَمِه لِتُمكنّهُ مِن التَنفُس، ثَم تجتَهِد بِعَزِيمَة لَا يُزعزِعها شَك لإخراجِه وسحبهِ مِن البِركة الوَعِرَة، مُستَمِرَةً بِجهودها لمدةٍ غَير قَصيرة، وتناور الطبيعة وتُداوِر الطِين مَرةً بأقدامِها وأُخرى بِخرطومها، لتثمر جهودها في الخِتام عَن انتِشَال الصَغير العَالِق مُنهكاً، مُتعباً، وضَعيفاً، مُسدِلةً حُبوراً وغبطة ممتزجين بتقدير من يؤمنون بقدراتها ويثقون بخبرتها، فيما الطفل يَتَنَعم بِحياةً جَديدة مُنِحَت لَهُ بِمساعَدة العيثوم القائدة – أنثى الفيل-.

يتتبع مصورو قناة “ديزني الطبيعة”* قبيلة الفيّلة في رحلتها الصحرَاويِة التي تَفرضها عليها ظُروف البِيئة كُلّ سَنَة هائِمَةً لِثمانيةِ أشهرٍ مُتواصِلة في طريق الذهاب والعودة.

لكن الأمر مختلف هذا العام فالعودة إلى جنةِ عدن بواحاتها الغناء ليسَ بالأمرِ اليسير، وعلى حاكمة العشيرة أن تقع في شركِ الاختِيَار، فإِما أن تَتبَع طَرِيقاً طَويِلاً قَد يُؤدِي قَبلَ نِهايَته إِلى هَلاكِها وهلاك القَطيع بِسبب تَأخُرِهم عَن مَوسِم المَاء، أو أن تسلك ممراً أقصر تنتظرهم فيه أسود جائعة.

تُطرِق “جايا” متأملةً بعينيها اللتين طالت رموشهما مخفيتين أَحافِير الزَمن حَولهما، محتارةً بين أَمرَين أحلاهُما مرُّ، هل تضحي بعشيرتها؟ أم تضحي ببعض صِغار القَطيع الذيِنَ سيغدُون لُقمَة سائِغَة لِتلكَ الضَواري؟

“جايا” إنهُ موعدك أيتها الحكيمة لتختاري مصيرَ عشيرةٍ تؤمن بحكمتك.

يأتي جوابها مقتضباً: لنسلُك طريق المُفتَرِسِين.!

وتهوي بقطيعها في رحلةٍ عظيمة الخطورة نحو أرض مَليئة بِضَوارٍ مُفترسة سَغِبَة، أُسودٌ هرمة، لِيُوثٍ فتية، ولبوات جائِعات يَنتظِرن الانقضاض على صغار قبيلتها، وضباع تَتَرقب بُطونَها جيّفة دَسِمَة.

فِي فِعلٍ بطوليٍ يُذكِرنا بِعندَليب الأَندَلُس “لُوركَا” وبِإيثارٍ يُحاكِي الطَائِي حَاتِم، تَتَهَاوى الحَكِيمة الأُم عَلى رُكبَتيها لَا سُجوداً لأعدائِها ولَا رَهبةً مِن فَتكٍ سيَطالُ جسدها، بل لروح شامخة مقدمةً نفسها قرباناً لتلك الضواري دافِعةً عن صغار قومها خطر الفناء، شاغلةً أعدائها عن أبنائها لِيَمُروا بسلام، هكذا وبكل ما في شيّم الأخلاق من مروءة، وشهامة، ونبلٍ، وبشجاعة، تَهَبُ “جَايا” آخِرَ مَا تَملِك فِداءً لِقومها.

لم يبق في العام التالي من تلك البطلة سوى هيكلٌ عظمي آخِذٌ بالتآكل الحيوي ونابي عاج منغرسين في رمال الزمن، تتعرف عليهما ثلةٌ من قبيلتها فيقفون بإجلال وكأنهم في مزارٍ مقدس رافعين خراطِيمهم إِلى الأَعلى بِتَحيّة ولاءٍ وتَقدِير لقائدةٍ عظيمة “علمتهم كيف يفكرون لا بماذا يفكرون” -مارغريت ميد*- ولم تنتظر منهم رَدَّ الجميل على تفانيها ولَا أمرتُهم بِبناء صرحٍ يُمَجِّد تَضحِياتها، ولم تطلق خطباً عصماء على أبنائِها لبذلِ “الغالي والنفيس” دفاعاً عنها وعن مركزها، بل ابتسمت راضية عن نفسها وعن حياتها وعن إنجازاتها وكذلك عن أبناء عشيرتها وبدمعة سقطت من عينها المغمضة، منهيّة رسالتها الخالدة في الحياة.

المُهَنّدْ النَاصِرْ  

مُرَاجَعَة عِلمِية: إِينَاسْ عَبد العَزِيزْ

تدقيق لغوي وبلاغي: سَمِير النَاصِرْ

Related Posts

  • All Post
  • أخبار
  • أسلوب حياة
  • المجلة
  • تكنولوجيا
  • ثقافة
  • رياضة
  • سياحة
  • صحة
  • كندا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Follow Us

الأكثر قراءة

الأكثر انتشارًا

Our Instagram

أبواب المجلة

هاشتاغ

loader-image
Moncton
مونكتون, CA
4:42 م, يونيو 19, 2024
temperature icon -4°C
غائم جزئي
Humidity 74 %
Pressure 1000 mb
Wind 22 Km/h
Wind Gust Wind Gust: 0 Km/h
Clouds Clouds: 20%
Visibility Visibility: 0 km
Sunrise Sunrise: 6:59 am
Sunset Sunset: 7:46 pm
Edit Template

2024 © Atlantic Arabic TV